أبو الليث السمرقندي

441

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يعني : إلى حديثك وقراءتك . يعني : يستمعون ولا ينفعهم ذلك وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ يعني : غطاء مجازا لكفرهم . وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً يعني : صمما وثقلا لا يفقهون حديثك . وقال قتادة : يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئا ، كمثل البهيمة التي تسمع القول ولا تدري ما هو . ثم قال : وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها يعني : انشقاق القمر وغيره حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يعني : يخاصمونك بالباطل ، وينكرون أن القرآن من اللّه تعالى يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وذلك أن النضر بن الحارث كان يخبر أهل مكة بسير المتقدمين وبأخبارهم فقالوا له : ما ترى فيما يقول محمد صلى اللّه عليه وسلم قال : لا أفهم مما يقول شيئا ، ولا أدري أنه من أساطير الأولين الذي أخبركم به مثل حديث رستم وإسفنديار . وقال القتبي : واحدها أسطورة واسطارة ومعناها : التّرهات . والأباطيل البسابس ، وهي شيء لا نظام له وليس بشيء . وفي هذا دلالة نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم لأنهم كانوا يتكلمون فيما بينهم بالسر ، فيظهر اللّه أسرارهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم . قوله تعالى : وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ يعني : أهل مكة ينهون الناس عن محمد أن يتبعوه ؛ ويتباعدون عنه أي : يتنافرون . ويقال : نزل في شأن أبي طالب . كان يقول للنبي صلى اللّه عليه وسلم : إن قريشا لن يصلوا إليك حتى أوسد في التراب ، فامض يا ابن أخي فما عليك غضاضة يعني : ذلّا وكان لا يسلم لأجل المقالة فنزل وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ يعني : أبا طالب ينهى قريشا عن إيذائه ، وينأى عنه ، ويتباعد عن دينه . وهذا قول الكلبي والضحاك ومقاتل . والقول الأول أيضا قول الكلبي . ثم قال : وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ يعني : وما يهلكون إلا أنفسهم وَما يَشْعُرُونَ بذلك . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 27 إلى 28 ] وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 27 ) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 28 ) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ قال الكلبي : يعني : حبسوا على النار . وقال مقاتل يعني : عرضوا على النار . وقال الضحاك : يعني : جمعوا على أبوابها . ويقال : وقفوا على متن جهنم والنار تحتهم . وروي في الخبر : أن الناس كلهم وقفوا على متن جهنم كأنها متن الأهالة ، ثم نادى مناد خذي أصحابك ، ودعي أصحابي .